مجلة الزهراء ـ أسماء الله دليل على معرفته ووسيلة إلى عبادته

كتبهاسيد عبد اللطيف الضعيفي ، في 9 أبريل 2009 الساعة: 18:16 م


أن الله تعالى خلق الخلق للعبادة؛ ولذا فقد أودع في ضميرهم الحاجة إليه، وفطرهم على الإحساس بما هو مرتكز فيهم من النقص والعجز، والمهم المعرفة به حيث لا حد ولا نقيصة ولا ضعف. لذلك فإن الخلق لا يرون لأنفسهم وجودا من دون فضله ولطفه وهباته.. ولا هدفا أسمى من التقرب إليه عبر تنزيهه وتسبيحه والاستزادة من فضلـه بذكـر أسمائه الحسنى، لذلك فالخليقة في تسبيح دائم له عز وجل.
(يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) كل بلغته وطريقته، هذه هي مسيرة الكائنات ووجهتها وإذ يضع القرآن الإنسان أمام هذه الحقيقة الكبرى، إنما لكي يدفعه نحو الالتحاق بها، ويبين له أن عدم خضوعه لله شذوذ خطير يضعه في مسيرة معاكسة لإرادة ربه وللخليقة جميعا، وبالتالي فإنه يواجه تحديات كبيرة تسحقه وتؤدي به إلى الدمار فلا طريق للنجاة منها والوصول إلى الأهداف والتطلعات إلا بمسايرة الوجود بقيمه وسننه في مسيرته الصواب، من خلال الاعتراف بالعجز والنقص المرتكز فيه والمعرفة بكمال ربه المطلق، ومن ثم تسبيحه والخضوع له. ولأنه تعالى لا تدرك ذاته الأبصار، ولا العقول، ولا الأوهام، فقد جعل أسماءه وسيلتنا إليه وذكرنا بها، فقال جل وعلا: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم).
قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: (خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرعون بها إليه ويعبدونه، وهي ذكره). وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: (هو نفسه، ونفسه هو، قدرته نافذة، فليس يحتاج أن يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها، لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف) [تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص295].
وإذا كنا نريد معرفته بأسمائه، فلابد أن نتيقن بأنها غير ذاته سبحانه. ففي الخبر عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (فلو كان الاسم هو المسمى، لكان كل اسم منها إلها، ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء ولكنها غيره).
ولابد أن يتذكر الإنسان هذه الحقيقة وهو في طريق العرفان بربه حتى لا تذهب به المذاهب، فيحاول كما فعل بعض الفلاسفة أن يتصور ربه بوهمه أو بعقله المحدود فيضل عنه إلى خلقه. عن هؤلاء قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: (تاهت هناك عقولهم، واستخفت حلومهم، فضربوا له الأمثال، وجعلوا له أندادا، وشبهوه بالأمثال، ومثلوه أشباها، وجعلوه يزول ويحول، فتاهوا في بحر عميق لا يدرون ما غوره، ولا يدركون كنه بعده). فسبحان الله عما يصفون ويشركون، وأنى للإنسان أن يتصور خالقه؟!
بلى؛ عندما نذكر أسماء الله الملك القدوس العزيز الحكيم، إنما نذكرها دون حد وتشبيه. فهو جل جلاله واسع الملك، عظيم القداسة، دائم العزة، ونافذ الحكمة. وتتجلى هذه الأسماء حينما يعود الإنسان إلى نفسه يتفكر فيها أو يرمي يبصره في الآفاق من حوله.
نعم؛ أن ربنا الملك لا حد لملكه، وإنما يملك كل شيء ملكا؛ يملك شهوده وغيبه، حاضره ومستقبله، ويهيمن عليه بجميع أبعاده، ولا يملك شيء ولا شخص شيئا إلا بما يملكه. وكل هذا آيات ملكوته، وأكثر من هذا مما لا يمكن لنا أن نتصوره.
وهو قدوس بمعنى النزاهة المطلقة من كل نقص وعيب وحد، فليس شيء ولا أحد أولى منه بالتسبيح والعبادة. كما انه القادر بالعزة على ما يشاء، والذي لا يذل أو يحتاج إلى غيره. وحيث نسبحه أو يدعونا تسبيحه، فليس لحاجة منه إلينا ولا إلى ذلك، لأنه سبوح وعزيز وملك وقدوس بذاته، وإنما بحكمته تفضل علينا بأن جعل تسبيحه طريقا لنا إلى رضوانه وهو الحكيم.
وهناك علاقات متينة بين الأسماء الحسنى المذكورة في الآية الكريمة بعضها مع بعض؛ فالملك الحق لابد أن يكون نزيها وقويا وحكيما، لكي يكون مهيمنا على ملكه. والعزة لا تكون إلا بالملك، كما لا يكون الملك إلا بها، وهكذا توجب القداسة العزة. ولم يذكر ربنا عز وجل لنفسه اسم العزيز وحسب، بل ذكر انه الحكيم أيضا. فهو ملك ذو قوة في حكمة، حيث يهيمن على الحياة بالقوة ويدبرها بالحكمة.
وهنا ينبغي التأكيد على مسألة مهمة، وهي أن ما تقدم من التحقيق حول أسماء الله لا يعدو كونه محاولة محدودة لتقريب معانيها ليس أكثر، وإلا فإن الإنسان لا يستطيع أن يفي بالمعنى حينما يتحدث عنها.
ومن خلال سياق آيات سورة الجمعة ندرك إن أسماء الله الحسنى التي جاء ذكرها في الآية السالفة (الملك القدوس العزيز الحكيم) قد تجلت عندما انبعث إلى الناس رسولا من أنفسهم، فجاء ليهديهم من الضلال ويعيدهم إلى مسيرة الكائنات بعد الابتعاد عنها. وهكذا انطلقت مسيرة المجتمع الإصلاحية، حيث تحول من الشتات إلى الألفة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الجاهلية والتخلف إلى العمل والحضارة.
قال الله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر